صبا.نت

رانية فهد

إنّها الواحدة بعد منتصف الليل... وبعد فيض من الكتابة لكثير من الخواطر ...أخذني قلمي ، قهوتي التي تعدّل المزاج ، سمري ، خلوتي ، ولعي ، تأمّلي ، عيناي اللتان تزخران بالدّموع ، في رحلة في جنبات ذلك الليل الذي أعشقه وأطرق فيه أبواب الذّاكرة ... إلى تلك الذّكريات التّي نكتوي بنارها المحرقة، التّي لا تفتأ تعصف بتلك الذاكرة المثقلة، أجل، أخذت أحلّق في فضائي الذي لا يخصّ سواي ... مسافرة عبر الزّمن، نظرت إلى السّماء من خلال تلك الدمّوع التي بدأت تنهمر من عينيّ بسخاء، إلى ذلك الصّمت الصّحراويّ الشّاسع الموحش الذي يمنحني ولادات كثيرة مع كلّ حرف أكتبه... صمت أكتبه وأذوب فيه... أجل، أعشق ذلك الليل الذي أسافر فيه عبر اللغة التّي تلحّ عليّ أن أسبر عالمها وألمسها، وأنْ أسمح لها بلمسي فهي أمّي ، عشقي بل خبزي ومائي وصمغي تشدّ بعضي إلى بعض... عليّ في هذا الليل أنْ أجد نفسي... أنْ أكون أنا... أكتشف ولعي ... لتسيل كلماتي كالجداول... التّي تغسل تلك الرّوح ... بنبع يفيض من داخلي وسوف يكون معي إلى الأبد ... يفجّر تلك المشاعر لقبول الواقع ورفضه. أجل، في ذلك الليل أسئلة كثيرة تطاردني وتحوم حولي...، تطفو فوق رأسي مثل غمامة من الدّخان، وتقول: هل باستطاعتنا

 أن نسافر عبر اللغة؟ لماذا يقتحمنا العالم إلى هذا الحدّ بتلك الجراح النّازفة؟

وأردفت قائلة: أعشقك أيها الليل فبك ذاك الصّمت المطبق... ذلك الإلهام والإبداع... تلك الخلوة بعيداً عن ضجيج هذا العالم... أجل، بك أكون أنا... أعشق ذلك الليل الذي أمتزج فيه ذلك الامتزاج... وأسقط ما يموج في نفسي من مشاعر الأرق والقلق والحبّ والفرح ... ذلك الملاذ الذي أجد فيه السعادة بمنأى عن ذلك الضّجيج... بك أتأمّل... بك تتسرب كلماتي إلى النّفس كما يتسرب الماء في جذوع الشّجر بك أحتضن دماري لأكتب ...

بك أعشق ذلك القلم... أعشق ذلك البحر والذي هو كائن جدير بأن يعشق، بل قل ذلك البوح بذلك القلم الذي يتغلغل في أعماق أعماقي... تلك الورقة... ذلك الكتاب رفيقي وجليسي متى شئت... أجل ذلك الكتاب الذي إذا غاب عني أحسست أنّه جزء منّي قد غاب... أجل أعشقك في ظلّ وظلال إنسانيّة لا تأبه لجراحك، وتقول لك: انهض وحدك ...كفكف دمعك... وأخيراً أعشقك أيها الليل فبك ذاك الصّمت المطبق والسّكون الذي يستدرج النّفس ويأخذك إلى تلك الجولة لخيالاتنا وذكرياتنا وتصوراتنا الماتعة وإلهامنا... بك حزني المتجذّر، كهذا الليل الذي ينشج داخل صدري... بك أفضي لتلك النّجوم، أفضفض، أبوح، أشكو لتلك النّجوم ... أصافح القمر بذلك الشيء الوحيد، بل بتلك الإرادة القادرة على ترميم نقصنا... أجل أعشقك وأعشقك...